أبي حيان الأندلسي

12

البحر المحيط في التفسير

الشفاعة عنده إلا بإذنه ، إذ هو تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب . وفي هذه دليل على عظم عزته وكبريائه كما قال : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا « 1 » الآية . ولما كان الخطاب عاما وكان الكفار يقولون عن أصنامهم : هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه ، ردّ ذلك تعالى عليهم ، وناسب ذكر الشفاعة التي تكون في القيامة بعد ذكر المبدأ ليجمع بين الطرفين : الابتداء والانتهاء . وقال أبو مسلم الأصبهاني : الشفيع هنا من الشفع الذي يخالف الوتر ، فمعنى الآية : أنه أوجد العالم وحده لا شريك يعينه ، ولم يحدث شيء في الوجود إلا من بعد أن قال له : كن . وقال أبو البقاء : يدبر الأمر ، يجوز أن يكون مستأنفا وخبرا ثانيا وحالا . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ : أي المتصف بالإيجاد والتدبير والكبرياء هو ربكم الناظر في مصالحكم ، فهو المستحق للعبادة ، إذ لا يصلح لأن يعبد إلا هو تعالى ، فلا تشركوا به بعض خلقه . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ : حض على التدبير والتفكر في الدلائل الدالة على ربوبيته وإمحاض العبادة له . إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ : ذكر ما يقتضي التذكير وهو كون مرجع الجميع إليه ، وأكد هذا الإخبار بأنه وعد اللّه الذي لا شك في صدقه ثم استأنف الإخبار وفيه معنى التعليل بابتداء الخلق وإعادته وأن مقتضى الحكمة بذلك هو جزاء المكلفين على أعمالهم . وانتصب وعد اللّه وحقا على أنهما مصدران مؤكدان لمضمون الجملة والتقدير : وعد اللّه وعدا ، فلما حذف الناصب أضاف المصدر إلى الفاعل وذلك كقوله : صِبْغَةَ اللَّهِ « 2 » و صُنْعَ اللَّهِ « 3 » والتقدير : في حقا حق ذلك حقا . وقيل : انتصب حقا بوعد على تقدير في أي وعد اللّه في حق . وقال علي بن سليمان التقدير : وقت حق وأنشد : أحقا عباد اللّه أن لست خارجا * ولا والجا إلا عليّ رقيب وقرأ عبد اللّه ، وأبو جعفر ، والأعمش ، وسهل بن شعيب : أنه يبدأ بفتح الهمزة . قال الزمخشري : هو منصوب بالفعل ، أي : وعد اللّه تعالى بدء الخلق ثم إعادته ، والمعنى :

--> ( 1 ) سورة النبأ : 78 / 38 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 138 . ( 3 ) سورة النمل : 27 / 88 .